الشيخ عبد الله البحراني

636

العوالم ، السيدة الزهراء ( س )

وأمّا أنا فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أنت منّي وأنا منك ، وأنت أخي في الدنيا والآخرة ، والرادّ عليك هو الرادّ عليّ ، من أطاعك فقد أطاعني ، ومن عصاك فقد عصاني ؛ وأمّا أمّ أيمن فقد شهد لها رسول اللّه بالجنّة ، ودعا لأسماء بنت عميس وذريّتها ؛ فقال عمر : أنتم كما وصفتم به أنفسكم ، ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل . فقال عليّ عليه السّلام : إذا كنّا نحن كما تعرفون ولا تنكرون ، وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل وشهادة رسول اللّه لا تقبل ، فإنّا للّه وإنا إليه راجعون إذا ادّعينا لأنفسنا تسألنا البيّنة ؛ فما من معين يعين ، وقد وثبتم على سلطان اللّه وسلطان رسوله ، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بيّنة ولا حجّة وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . ثمّ قال لفاطمة : انصرفي « 1 » حتّى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين .

--> ( 1 ) وقال سليمان كتاني في كتابه « فاطمة الزهراء وتر في غمد : 106 » : لا عليّ ، ولا فاطمة ، كانا مقتنعين بنجاحهما باسترجاع فدك ، ولم يكن تصرّف فاطمة عليها السّلام بالإقدام والمطالبة - أكان ذلك في باحة المسجد على ملأ من المسلمين ، أم كان في مراجعات أخرى في بيت الخليفة ، أم في بيوت الأنصار ، أم في أية من المناسبات العارضة - عن اقتناع بأنّ حقوقها بالإرث ستعود إليها . ولم يكن ذلك أيضا دليلا على تفتيش البيت عن مورد يؤمّن له الثروة والترفيه ؛ فالبيت هذا ألف القناعة في العيش ، إنّ جهاز فاطمة لم تكن قيمته أكثر من قيمة درع ، ولم يكن زواج فاطمة بعليّ إلّا ليكون - في معناه ومجتناه - متانة درع ؛ لقد قنعت ابنة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، في يوم عرسها ، بثوبين من الصوف بقطيفة وخمار ، فقنعت بفراش من خيش محشوّ بليف ، وقنعت بقدر واحد ، وجرّة خضراء ، ورحى لجرش حبّات الشعير تديرها بكفّها الهزيلة ولم تطمع بأكثر من قعب للبن ، وشنّ للماء ، وقطعة حصير . . . هذه هي الدرع - درع عليّ عليه السّلام الّتي حملها عليّ إلى السوق بنفسه وباعها بأربعمائة درهم ليصرفها جهازا لعروسه . هذه هي حقيقة البيت الّذي يطالب بفدك ، يطالب بها ، لا ليزيد لنفسه ثروة ، بل ليزيد من متانة الإسلام ليزيد من أعمال البرّ ، وتفريق الحسنات على كلّ هؤلاء الّذين يعيشون في الجزيرة على مجاعات ، وأشدّها مجاعة الفكر ومجاعة الروح ، لذلك هبّت فاطمة عليها السّلام تطالب بالإرث ، لا لتحصل على الإرث ؛ بل لترهف حسّا جماعيّا لا يزال يهجع في الذلّ ويرضى بالاستكانة ؛ لتظهر للحاكم : إنّه لن يتمكّن من القيادة وفي عينيه دكنة من ظلم ، ومشحة من اغتصاب ؛ لتظهر له أنّ فدكا وكل شبيه بفدك ، شوكة في عين الخلافة - وكل خلافة - إلى أن تنزع .